بلجيكا؛أزمة الحكم تصل إلى القصر الملكي.. هل ينقذ الملكحكومة دي ويفر أم تقترب البلاد من انتخابات جديدة؟

بروكسل/ اينانيوز/ رئيس التحرير
تدخل الأزمة السياسية في بلجيكا مرحلة حساسة، بعدما وصلت الخلافات بين الاحزاب المشكلة للحكومة الفيدرالية إلى القصر الملكي، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة الملك فيليب على المساعدة في إخراج البلاد من المأزق السياسي والمالي الذي يهدد استمرار الائتلاف الحاكم.
فبعد فشل رئيس الوزراء “بارت دي ويفر ” في التوصل إلى اتفاق بشأن الميزانية الفيدرالية، بدأ الملك سلسلة مشاورات مع رؤساء الأحزاب السياسية، في محاولة لفهم أسباب الانسداد واستكشاف إمكانيات التوصل إلى تسوية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل يمكن أن تنجح تدخلات القصر الملكي فيما فشلت فيه مفاوضات الحكومة؟
خلافات حول 10 مليارات يورو تهدد الحكومة…
تعود جذور الأزمة إلى فشل اللجنة الوزارية المصغرة، المعروفة باسم Kern، في التوصل إلى اتفاق بشأن ميزانية عام 2027، والإجراءات المطلوبة لتحقيق جهد مالي يصل إلى 10 مليارات يورو بحلول عام 2029.
وتتركز الخلافات داخل ائتلاف أريزونا بين حزب الحركة الإصلاحية MR، الذي يرفض فرض ضرائب إضافية، وبين أحزاب أخرى، أبرزها Vooruit وLes Engagés، التي تدافع عن مساهمة أكبر من أصحاب الدخول المرتفعة في معالجة عجز الميزانية.
كما يشكل تمويل الرعاية الصحية ومعدل نمو الإنفاق الصحي مصدرًا إضافيًا للتوتر بين الشركاء الحكوميين.
ومع استمرار الخلافات، أصبحت قدرة الحكومة على الاتفاق بشأن أولوياتها المالية موضع تساؤل.
هل يستطيع الملك فيليب إنقاذ الموقف؟
يرى جان فانييل، المدير العام لمركز البحوث والمعلومات الاجتماعية والسياسية CRISP والخبير في العلوم السياسية، أن المشاورات الملكية قد توفر فرصة حقيقية لتحريك المفاوضات.
ويوضح أن الملك ليس قادرًا على حل الخلافات بطريقة سحرية، لكنه يتمتع بإمكانية الاستماع إلى مختلف الأطراف بعيدًا عن المواجهات السياسية العلنية.
فخلال اللقاءات الفردية والسرية مع الملك، يستطيع رؤساء الأحزاب التعبير عن مواقف أو تقديم إشارات لا يرغبون بالضرورة في الكشف عنها أمام بقية الشركاء.
وقد تساعد هذه المعلومات الملك على تشجيع الأطراف على استكشاف حلول جديدة.
لكن الدور الملكي لا يعني أن الملك يستطيع فرض اتفاق مالي على الحكومة أو إجبار الأحزاب على التخلي عن مواقفها.
هل يمنح القصر الملكي جورج لويس بوشيه مخرجًا من الأزمة؟
من أبرز النقاط التي تناولها تحليل جان فانييل إمكانية استفادة رئيس حزب MR، جورج لويس بوشيه، من المشاورات الملكية سياسيًا.
فقد تمسك بوشيه برفض الضرائب الإضافية، ما جعل التراجع عن هذا الموقف أمرًا بالغ الصعوبة أمام الرأي العام وأنصار حزبه.
لكن الخبير يرى أن تدخل الملك قد يمنحه فرصة لتبرير قبول تسوية مستقبلية، من خلال تقديمها باعتبارها استجابة لدعوة ملكية للمساعدة في إنهاء الأزمة، وليس تنازلًا أمام ضغوط الأحزاب الأخرى.
ويعتبر فانييل أن حزب MR أظهر حتى الآن استعدادًا محدودًا لتعديل مواقفه، حتى في الملفات التي كان من الممكن أن تشكل أرضية للتفاوض، مثل النظام الضريبي للشركات الإدارية، المعروفة باسم Sociétés de management.
وبحسب تحليله، فإن الرغبة في الوصول إلى اتفاق بشروط طرف واحد تجعل التسوية صعبة داخل ائتلاف يضم خمسة أحزاب.
دي ويفر تحت الضغط.. هل فشلت طريقته في إدارة الحكومة؟
لم يقتصر تحليل الأزمة على مواقف الأحزاب، بل تناول أيضًا مسؤولية رئيس الوزراء بارت دي ويفر.
فبحسب جان فانييل، واجه “دي ويفر” صعوبات مماثلة عندما كان مكلفًا بتشكيل الحكومة، ثم تكررت الخلافات خلال رئاسته لها.
ويرى الخبير أن استمرار العجز عن تجاوز هذه العقبات يطرح تساؤلات بشأن أسلوب إدارة المفاوضات.
كما أشار إلى مسؤولية وزير الميزانية فينسنت فان بيتيغيم ووزير المالية يان يامبون في عدم تقديم مقترحات تحظى بقبول جميع الشركاء.
وفي المقابل، اعتبر أن تصلب مواقف حزب Vooruit والحركة الإصلاحية MR ساهم أيضًا في تعقيد المفاوضات.
وأشار إلى أن الاشتراكيين الفلمنكيين يواجهون ضغوطًا مرتبطة بالحركة الاحتجاجية الاجتماعية المستمرة منذ ديسمبر 2024.
لماذا سُحب مقترح زيادة ضريبة القيمة المضافة؟
شهدت المفاوضات تطورًا لافتًا عندما وافق بارت دي ويفر على التخلي عن مقترح زيادة ضريبة القيمة المضافة TVA، استجابة لمطالب حزب MR.
كما طُرحت فكرة التركيز على ميزانية 2027 وتقليص الجهد المالي إلى أربعة مليارات يورو، قبل أن تختفي هذه الصيغة من المفاوضات.
ويرى جان فانييل أن هذه التطورات أثارت استياء الأحزاب الأخرى، لأنها منحت الحزب الأكثر تشددًا في موقفه تنازلات مهمة دون أن تؤدي إلى اتفاق.
ويحذر تحليله من أن مثل هذه الطريقة قد تعطي انطباعًا بأن الطرف الذي يرفض تقديم التنازلات هو الذي يحصل في النهاية على أكبر المكاسب التفاوضية.
هل يتعمد “دي ويفر” إطالة الأزمة؟
تناول الحوار احتمال أن يكون استمرار الأزمة جزءًا من استراتيجية سياسية تهدف إلى إظهار صعوبة حكم بلجيكا.
لكن جان فانييل أكد أنه لا يمكن الجزم بنوايا رئيس الوزراء.
وأوضح أن هناك فرقًا كبيرًا بين إظهار صعوبة تشكيل حكومة بلجيكية وبين الاعتراف بالفشل بعد فترة من تولي رئاسة الحكومة.
ففي الحالة الثانية، قد يُنظر إلى الأزمة باعتبارها إخفاقًا في طريقة إدارة رئيس الوزراء للمفاوضات، بدلًا من اعتبارها دليلًا على استحالة حكم البلاد.
وهذا يبقى تحليلًا سياسيًا، وليس دليلًا على أن دي ويفر يتعمد تعطيل عمل الحكومة.
هل يمكن تشكيل حكومة جديدة دون حزب MR؟
ناقش الخبير أيضًا إمكانية تجاوز الأزمة من خلال تغيير تركيبة الائتلاف الحاكم.
ومن الخيارات المطروحة الاستعانة بحزب Anders، الذي عرض مقاعده الثمانية للمساعدة في تشكيل أغلبية بديلة.
لكن جان فانييل اعتبر أن هذا الخيار غير كافٍ، لأن الوصول إلى 75 مقعدًا من أصل 150 لا يحقق أغلبية مطلقة داخل مجلس النواب.
كما استبعد عمليًا الاعتماد على النائب جان ماري ديديكر لتأمين أغلبية مستقرة، نظرًا إلى مسيرته السياسية المستقلة ومواقفه غير التقليدية.
أما خيار استبدال حزب MR بالحزب الاشتراكي PS، فيراه الخبير بالغ الصعوبة سياسيًا.
فالحزب الاشتراكي ليست لديه مصلحة واضحة في إنقاذ حكومة يقودها حزب N-VA، كما أن مشاركته ستتطلب تنازلات سياسية كبيرة قد لا يقبلها الشركاء الحاليون.
هل تعود بلجيكا إلى صناديق الاقتراع؟
رغم استمرار الحديث عن احتمال سقوط الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة، يرى جان فانييل أن أحزاب الأغلبية تدرك المخاطر السياسية المرتبطة بهذا السيناريو.
فالدعوة إلى انتخابات جديدة قد تؤدي إلى خسائر انتخابية لبعض الشركاء، دون أن تضمن ظهور أغلبية أسهل في التشكيل.
ولهذا يعتبر الخبير أن الحل الأكثر واقعية يتمثل في عودة الأحزاب الخمسة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى تسوية.
لكنه يؤكد أن إدراك ضرورة الاتفاق لا يعني القدرة على تحقيقه، ولذلك لا يمكن استبعاد الانتخابات المبكرة بصورة مطلقة.
الجمعة.. موعد سياسي حاسم في القصر الملكي
بعد سلسلة اللقاءات التي بدأها الملك فيليب مع رؤساء الأحزاب، من المقرر أن يستقبل رئيس الوزراء بارت دي ويفر مجددًا في القصر الملكي صباح الجمعة عند الساعة العاشرة والنصف.
ويأتي هذا اللقاء في وقت تنتظر فيه الأحزاب والمؤسسات الاقتصادية والمواطنون معرفة ما إذا كانت المشاورات ستفتح الطريق أمام استئناف المفاوضات المالية.
وقد يكون الاجتماع فرصة لتقييم مواقف الشركاء وتحديد إمكانية مواصلة العمل الحكومي.
لكن لا توجد ضمانات بأن اللقاء سيؤدي إلى اتفاق فوري أو ينهي الخلافات القائمة.
بلجيكا بين التسوية السياسية واستمرار الشلل الحكومي
تكشف الأزمة الحالية حجم التباعد بين مكونات الائتلاف الحاكم، خصوصًا في القضايا المتعلقة بالضرائب والإنفاق العام وتمويل الرعاية الصحية.
وبينما يرفض حزب MR زيادة الأعباء الضريبية، تطالب أطراف أخرى بتوزيع مختلف لجهود إصلاح المالية العامة.
أما الملك فيليب، فيواصل دوره الدستوري من خلال المشاورات السياسية، دون أن يحل محل الحكومة في اتخاذ القرارات المالية.
وتبقى الأيام المقبلة مهمة لتحديد ما إذا كانت الأحزاب ستتمكن من تجاوز خلافاتها، أم أن بلجيكا ستدخل مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي.
فهل تنجح مشاورات القصر الملكي في إعادة الشركاء إلى طاولة الاتفاق، أم أن الأزمة أعمق من أن تُحل بلقاءات سياسية./انتهى



