70 عاماً على منع تعدد الزوجات في تونس.. قرار تاريخي يعود إلى الواجهة من بوابة المرأة والخصوبة

روافدنيوز/متابعة
في 13 آب 1956، اتخذت تونس قراراً كان لافتاً في المنطقة العربية آنذاك: منع تعدد الزوجات، ضمن مجلة الأحوال الشخصية التي أُعلنت بعد أشهر قليلة من استقلال البلاد، لتصبح واحدة من أبرز المحطات في مسار التشريع المتعلق بحقوق المرأة.
وبعد مرور 70 عاماً على القرار، تعود المناسبة إلى الواجهة بالتزامن مع اليوم الوطني للمرأة التونسية، الذي يصادف في 13 أغسطس من كل عام، وسط احتفاء تونسي بالذكرى ونقاش متجدد حول الزواج والأسرة والخصوبة ومستقبل المجتمع.
لم يكن منع تعدد الزوجات بنداً منفرداً، بل جاء ضمن مجلة الأحوال الشخصية التي تضمنت جملة من الإصلاحات الاجتماعية والقانونية، بينها اشتراط رضا الزوجين لصحة الزواج، ووضع حد أدنى للسن القانونية للزواج، وإقرار الطلاق عبر القضاء.
وبحسب وزارة العدل التونسية، دخلت المجلة حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 1957، وشكلت آنذاك تحولاً كبيراً في وضع المرأة التونسية مقارنة بما كان سائداً في المنطقة.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبح الزواج في تونس قائماً قانونياً على مبدأ وجود زوج واحد وزوجة واحدة، مع منع إبرام زواج آخر لمن كان مرتبطاً بزواج قائم.
70 عاماً.. ماذا تغيّر؟
على مدى سبعة عقود، لم تعد القضية مجرد نص قانوني، بل تحولت إلى جزء من صورة تونس الاجتماعية الحديثة، وإلى عنوان بارز في النقاش حول حقوق المرأة واستقلاليتها داخل الأسرة.
لكن الاحتفال بذكرى القرار يأتي اليوم في مجتمع تغيّر كثيراً عن تونس الخمسينيات.
فالأرقام الرسمية تُظهر تحولاً ديموغرافياً لافتاً؛ إذ انخفض معدل الخصوبة الإجمالي في تونس من 2.4 طفل للمرأة عام 2015 إلى 1.6 عام 2023، فيما تراجع عدد الولادات من أكثر من 222 ألف ولادة عام 2015 إلى نحو 135 ألفاً في 2023، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء التونسي.
وهنا يبرز سؤال حساس: هل يمكن ربط هذه التحولات بقرار منع تعدد الزوجات؟ وهل منع التعدد وراء تراجع الخصوبة؟
ربط انخفاض الخصوبة في تونس بمنع تعدد الزوجات وحده سيكون تبسيطاً لمشهد ديموغرافي معقد. فالإنجاب يتأثر بمجموعة واسعة من العوامل، بينها سن الزواج، الظروف الاقتصادية، تكاليف تربية الأطفال، التعليم، مشاركة النساء في سوق العمل، وتغير أنماط الحياة وتوقعات الأسر.
كما أن تراجع الخصوبة ظاهرة عالمية لا تقتصر على تونس، ما يجعل تفسيرها من خلال تشريع واحد أمراً غير دقيق.
لكن اللافت أن الأرقام التونسية تفتح الباب أمام نقاش أوسع: كيف يمكن للمجتمعات أن تحافظ على مكاسب المرأة، وفي الوقت نفسه تواجه تحديات انخفاض المواليد وارتفاع متوسط الأعمار؟
وهذا تحديداً ما يجعل ذكرى القرار أكثر من مجرد مناسبة تاريخية.
من “حق المرأة” إلى “مستقبل الأسرة”
في الخمسينيات، كان النقاش يدور حول موقع المرأة في مؤسسة الزواج وحقوقها القانونية. أما اليوم، فقد اتسعت الأسئلة لتشمل شكل الأسرة نفسها، وتأخر الزواج، والرغبة في الإنجاب، وكلفة تكوين الأسرة، والتوازن بين الحياة المهنية والعائلية.
وتونس، التي يبلغ عدد سكانها نحو 12.35 مليون نسمة وفق أحدث بيانات البنك الدولي المتاحة، تشهد نمواً سكانياً سنوياً منخفضاً نسبياً، ما يجعل المسألة الديموغرافية حاضرة بقوة في النقاش العام.
ذكرى تفتح باباً لجدل جديد
في مواقع التواصل الاجتماعي، أعادت الذكرى إشعال النقاش بين من يرى في منع تعدد الزوجات أحد أهم مكتسبات المرأة التونسية، ومن يطرح أسئلة مختلفة حول تأثير التحولات الاجتماعية على الزواج والإنجاب والأسرة.
وبين الرأيين، تبقى حقيقة واحدة: ما بدأ في 1956 كإصلاح قانوني جريء أصبح بعد 70 عاماً جزءاً من هوية اجتماعية وتشريعية راسخة في تونس./انتهى



