من بغداد الى الصين.. رحلة علمية لطلبة عراقيين لكسب الخبرة في تطوير قطاع النفط

بغداد/ روافدنيوز
يجسد ثلاثون طالبا عراقيا المقولة العربية الراسخة “اطلبوا العلم ولو في الصين”، اذ يواصلون دراستهم على بعد الاف الاميال من وطنهم، مدفوعين بطموح مشترك لبناء مستقبل مهني يسهم في تطوير قطاع النفط العراقي.
وغادر الطلبة العاصمة بغداد وصولا الى مدينة تشينغداو الساحلية المطلة على البحر الاصفر في الصين، ليبدأوا فصلا جديدا من رحلتهم التعليمية.
ويمثل الطلبة الدفعة الاولى من العراقيين الملتحقين ببرنامج “رواد التميز” الذي ترعاه شركة بتروتشاينا العراق – غرب القرنة/1، وقد امضوا حتى الان اكثر من اربعة اشهر في الدراسة بجامعة الصين للبترول (شرق الصين).
وبالنسبة الى هؤلاء الشباب، لا تقتصر الرحلة الى الصين على طلب العلم واكتساب المعرفة، بل تمثل ايضا خطوة نحو حلم اوسع يتعلق بمستقبل قطاع النفط في العراق.
وتعد هذه المرة الاولى التي تستخدم فيها الحكومة العراقية صندوق التدريب ونقل التكنولوجيا والمنح الدراسية (TTSF) لدعم دراسة طلبة عراقيين في الصين، في خطوة تعكس توجها نحو توسيع فرص التعليم والتدريب والتبادل المعرفي في المجالات المرتبطة بالطاقة.
ومنذ ان تولت بتروتشاينا العراق – غرب القرنة/1 دور المقاول الرئيسي لحقل غرب القرنة/1 عام 2024، اولت اهتماما كبيرا بتطوير الكفاءات العراقية المحلية، وعملت بصورة فاعلة على دعم المبادرات التي تحقق هذا الهدف.
ولا يمثل اطلاق برنامج “رواد التميز” مجرد فرصة تعليمية للطلبة، بل يؤشر مرحلة اوسع في مسار التعاون العراقي – الصيني في مجال الطاقة، اذ يمتد هذا التعاون من المجالات التقليدية، مثل توفير المعدات والدعم الفني، الى تطوير الكفاءات وتعزيز التواصل بين الشعبين.
كما يعكس البرنامج تقدير الحكومة العراقية وثقتها بالخبرات الهندسية والمعايير الفنية التي تتمتع بها شركة بتروتشاينا.
وينحدر الطلبة الثلاثون من محافظات مختلفة في العراق، وبعد خضوعهم لعدة مراحل من الاختبارات التحريرية والمقابلات التي نظمتها وزارة النفط العراقية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تم اختيارهم من خلال عملية تنافسية عالية المستوى، وبالنسبة الى كل واحد منهم، كان اختيار الصين وجهة للدراسة قرارا مدروسا بعناية.
وكان حسين حيدر من بغداد قد لاحظ في وقت سابق ان “العديد من المنشآت الرئيسية والتقنيات الاساسية المستخدمة في مواقع الحقول النفطية بالقرب من مدينته تأتي من الصين، الامر الذي دفعه منذ وقت مبكر الى التفكير في الدراسة هناك”.
اما اوس جلال علي، فقد حصل بالفعل على قبول من احدى الجامعات في المملكة المتحدة، الا انه بعد معرفته بقبوله في جامعة الصين للبترول (شرق الصين)، اتخذ قرارا حاسما بالتخلي عن خطته للدراسة في بريطانيا، والانتقال الى الصين.
واقيم حفل افتتاح برنامج “رواد التميز” في جامعة الصين للبترول (شرق الصين)، حيث القى القنصل العام لجمهورية الصين الشعبية في البصرة تشن بي تشونغ، كلمة عبر الفيديو، شجع فيها الطلبة على “الاجتهاد في دراسة تخصصاتهم، والتعرف بصورة اوسع على الصين، وتكوين صداقات مع الطلبة الصينيين، وان يكونوا سفراء للصداقة التقليدية بين الصين والعراق”.
وخاطب المستشار العلمي والتعليمي في سفارة جمهورية العراق لدى الصين، مهند نجاح جواد الشروفي، الطلبة عبر الفيديو ايضاً، قائلا: “انتم رواد، وتمثلون كذلك مستقبل قطاع الطاقة في العراق، وآمل ان تكتسبوا المعارف النظرية والخبرات التقنية التي يحتاج اليها العراق بصورة ملحة لاعادة بناء وتحديث قطاعه النفطي”.
وخلال الحفل، قدم محمد الطاووس، ممثل الصف، تعهدا نيابة عن جميع الطلبة: “لن نخيب امالكم ابدا”.
ولمساعدة الطلبة على الانتقال بصورة سلسة الى مرحلة الدراسة الجامعية، صممت جامعة الصين للبترول (شرق الصين) نموذجا تعليميا خاصا بنظام “0.5 + 4”، يتضمن ستة اشهر من الدراسة التحضيرية تليها اربع سنوات من الدراسة الجامعية للحصول على شهادة البكالوريوس.
وسيتخصص الطلبة بشكل رئيسي في ثلاثة مجالات اساسية، هي هندسة النفط، والهندسة الميكانيكية، والجيولوجيا.
وفي المرحلة الحالية، يدرس الطلبة اللغة الصينية والرياضيات والفيزياء والكيمياء، الى جانب حصولهم بصورة منتظمة على دعم اكاديمي ودروس مساندة متخصصة، بما يساعدهم على بناء قاعدة علمية ولغوية تؤهلهم للمرحلة الجامعية المقبلة.
وقد تابعت مشرفة الصف سو هوي عن قرب “اجتهاد الطلبة ومثابرتهم، واشادت بما يتمتعون به من انضباط ذاتي وعزيمة”، مشيرة الى انهم “نادرا ما يستسلمون عند مواجهة الصعوبات، واكدت ان وراء ادائهم الاكاديمي ليس الموهبة وحدها، بل ايضا الانضباط والمثابرة”.
ومنذ وصول الطلبة الى الصين، شكلت اللغة الصينية واحدة من ابرز التحديات التي واجهوها، لكنها تحولت في الوقت نفسه الى واحدة من اكثر المواد التي احبوا تعلمها.
فمعظمهم لم يكن يستطيع التحدث باللغة الصينية قبل وصوله، لكن كلمة بسيطة مثل “ني هاو” – “مرحبا” سرعان ما ساعدت في كسر الحواجز بينهم وبين السكان المحليين.
وقد اعتاد حسين علي، بدعم من اساتذته ومساعدي التدريس، على تعلم خمس كلمات صينية جديدة يوميا، ويولي اهتماما خاصا بالتمييز بين النغمات الصوتية والحروف او الكلمات الصينية المتشابهة في النطق، وفي كل مرة يعبر فيها السكان المحليون عن دهشتهم او اعجابهم بتطوره في اللغة، يشعر بمزيد من الحافز للاستمرار في التعلم.
كما واجه علي الكرار احد الطلبة “تحديات في تعلم اللغة الصينية، لكنه عمل بجد مع اساتذته، وتمكن بمساعدة اصدقائه العراقيين من العثور على مطاعم تقدم الطعام الحلال في تشينغداو، ومنحته النكهات المألوفة شعورا بالراحة والارتباط بالوطن”.
واسهمت انظمة الدفع الالكتروني المتقدمة في الصين، ومنها Alipay وWeChat، في جعل الحياة اليومية للطلبة اكثر سهولة، حيث يمكن انجاز كل شيء عن طريق الهاتف المحمول.
ولا شك ان البعد عن الوطن يولد شعورا بالحنين، وللمساعدة في تأقلم الطلبة مع الحياة في الصين، نظمت الجامعة زيارات الى عدد من المعالم المعروفة، ووفرت لهم فرصا لتجربة الاطعمة الحلال، والمشاركة في المهرجانات الثقافية الدولية وعروض الافلام داخل الحرم الجامعي، مما اتاح لهم نافذة اوسع للتعرف على العالم.
وكان حسن احمد من بين الطلبة الذين اعجبتهم تجربتهم في الصين بشكل خاص، حيث قال: “رأينا في التراث الثقافي الصيني تاريخا وانجازات فنية عميقة تضاهي ما يتمتع به بلدنا من ارث حضاري”.
وبين المحاضرات والدراسة والتنقل بين القاعات الدراسية والسكن الجامعي، تمضي ايام الطلبة في اجواء اكاديمية مكثفة قد تكون مرهقة في بعض الاحيان، الا ان تذكرهم للفرصة القيمة التي وفرها لهم بلدهم، والامال التي يضعها اباؤهم عليهم، يمنحهم دافعا متجددا للاستمرار.
واشارو الطلبة الى ان “قطاع النفط هو العمود الفقري للاقتصاد العراقي، ونحن فخورون بتمثيل الشباب العراقي اثناء دراستنا في الصين، وسنعمل بجد في دراستنا، وفي المستقبل سنكرس جهودنا للمساهمة في تطوير قطاع النفط في بلدنا”.
وهذا هو الطموح المشترك للطلبة العراقيين الثلاثين، الذين يرون في تجربتهم التعليمية فرصة لاكتساب المعرفة والخبرة، وفي الوقت نفسه تمثيل بلدهم وبناء جسور جديدة للتواصل بين العراق والصين.
ومن ضفاف نهر دجلة الى شواطئ البحر الاصفر، بدأت بذور المعرفة تنمو، وبالعلم والمثابرة والرؤية المشتركة للمستقبل، يخطو هؤلاء الشباب العراقيون خطواتهم الاولى نحو تحقيق احلامهم في قطاع النفط.
واقيم حفل افتتاح برنامج “رواد التميز” للطلبة العراقيين في جامعة الصين للبترول (شرق الصين)، وتابع الطلبة العراقيون دروسهم باهتمام، وعملوا على تعزيز اساسهم العلمي خلال المرحلة التحضيرية./انتهى



