المياه الجوفية في العراق.. هل تنقذ الزراعة من الجفاف أم تتحول إلى أزمة جديدة؟

بغداد/ روافدنيوز
من الآبار التي تسقي حقول الحنطة والشعير إلى المخاوف من استنزاف الخزين المائي، تواجه الزراعة العراقية تحديا جديدا في كيفية الاستفادة من المياه الجوفية دون تهديد مستقبلها.
في مناطق زراعية عراقية اعتاد سكانها انتظار الأمطار أو وصول المياه عبر الأنهار والجداول، أصبحت الآبار خيارا يلجأ إليه المزارعون للحفاظ على أراضيهم واستمرار الإنتاج، ومع تراجع الموارد المائية السطحية وتكرار مواسم الجفاف، ازدادت أهمية المياه الجوفية بوصفها مصدرا بديلا للري، خصوصا في المناطق البعيدة عن شبكات الري التقليدية.
لكن هذا التحول يثير تساؤلا يتجاوز قدرة الآبار على توفير المياه في الوقت الحاضر: هل تستطيع الخزانات الجوفية تحمل التوسع الزراعي المتزايد، أم أن الاعتماد عليها دون ضوابط قد يؤدي إلى استنزاف مورد يصعب تعويضه؟
من مياه احتياطية إلى مصدر للإنتاج
اعتمدت الزراعة العراقية تاريخيا على مياه دجلة والفرات وروافدهما، إلى جانب الأمطار في المناطق الشمالية والغربية، أما المياه الجوفية، فقد أدت دورا متفاوتا بحسب طبيعة الأراضي وعمق الخزانات ونوعية المياه المتاحة.
ومع تراجع الإمدادات السطحية، أصبحت الآبار وسيلة للحفاظ على زراعة بعض المحاصيل، وفي مقدمتها الحنطة والشعير، فضلا عن توفير المياه للبساتين والمحاصيل العلفية في مناطق محددة.
وتمنح المياه الجوفية المزارع قدرة أكبر على التحكم بمواعيد الري، مقارنة بالاعتماد الكامل على الأمطار، غير أن هذه الميزة ترتبط بعمق البئر وكلفة الضخ ومعدل تجدد الخزان ونوعية المياه المستخرجة.
وهنا يظهر الفرق بين استخدام المياه الجوفية لتعويض نقص مؤقت في مياه الري، وتحويلها إلى المصدر الرئيسي لزراعة مساحات واسعة بصورة مستمرة.
تأثير المياه الجوفية على إنتاج الحنطة والشعير
تحتاج محاصيل الحبوب إلى كميات مناسبة من المياه خلال مراحل النمو المختلفة، ولا سيما الإنبات والتفريع وتكوين السنابل وامتلاء الحبوب.
وعندما تتراجع الأمطار خلال هذه المراحل، قد يسهم الري التكميلي بالمياه الجوفية في تقليل الإجهاد المائي وتحسين إنتاجية الدونم، شريطة أن تكون المياه ملائمة للزراعة وأن تستخدم بالكميات المطلوبة.
ويبرز هذا الدور بصورة خاصة في زراعة الحنطة والشعير، حيث يمكن لريات محددة في أوقات حرجة أن تحدث فرقا في الإنتاج مقارنة بترك المحصول معتمداً على أمطار غير منتظمة.
لكن زيادة كميات الضخ لا تعني بالضرورة زيادة الإنتاج، فالري المفرط قد يؤدي إلى ارتفاع مستوى الماء الأرضي في بعض المواقع، وتراكم الأملاح في منطقة الجذور إذا كانت شبكات البزل غير كافية.
كما أن الشعير أكثر تحملا للملوحة نسبيا من الحنطة، إلا أن قدرته على التحمل لا تعني إمكان زراعته بنجاح تحت أي مستوى من ملوحة المياه أو التربة.
حين تصبح نوعية المياه أخطر من ندرتها
لا تكمن المشكلة في كمية المياه الجوفية وحدها، بل في صلاحيتها للري، فقد تكون المياه متوافرة داخل الخزان الجوفي، لكنها تحتوي على تراكيز مرتفعة من الأملاح تجعل استخدامها غير مناسب لبعض المحاصيل، أو تتطلب إجراءات خاصة لإدارة التربة والري.
وفي دراسة منشورة في مجلة الكوفة الهندسية، فحص باحثون نوعية المياه في 29 بئرا بمحافظة النجف، ووجدوا أن أربع آبار فقط استوفت جميع معايير الملاءمة المستخدمة في الدراسة، بينما سجلت بقية الآبار تجاوزاً في مؤشر واحد على الأقل، وهذه نتيجة تخص الآبار التي شملتها الدراسة، ولا يمكن تعميمها على جميع آبار المحافظة.
وتكشف هذه النتيجة عن جانب مهم من مشكلة المياه الجوفية، حيث أن وجود البئر لا يعني بالضرورة توافر مصدر صالح ومستدام للري.
وفي جنوب العراق، تبدو المشكلة أكثر تعقيدا، فقد رصدت دراسة منشورة في المجلة الجيولوجية العراقية عام 2021 ارتفاعا كبيراً في ملوحة المياه الجوفية في منطقتي الفاو والسيبة بالبصرة، وخلصت إلى عدم صلاحية العينات المدروسة للري نتيجة ارتفاع الأملاح الذائبة.
الاستنزاف.. عندما يكون الضخ أسرع من التعويض
تتجدد بعض الخزانات الجوفية من خلال تسرب مياه الأمطار والسيول والمياه السطحية إلى باطن الأرض، بينما تحتوي خزانات أخرى على مياه قديمة بطيئة التجدد.
وعندما تتجاوز كميات المياه المستخرجة معدلات التغذية الطبيعية لفترات طويلة، تبدأ مناسيب المياه بالانخفاض، وقد يحتاج المزارعون إلى تعميق الآبار أو استخدام مضخات أكثر قدرة، ما يزيد كلفة الإنتاج.
وفي بعض الحالات، يمكن أن يؤدي استمرار الضخ المفرط إلى تدهور نوعية المياه أو خروج بعض الآبار من الخدمة.
ولهذا لا يمكن النظر إلى المياه الجوفية باعتبارها مخزونا غير محدود، فالاستفادة منها تتطلب معرفة حجم الموارد المتاحة ومعدلات تجددها ومراقبة كميات السحب بصورة مستمرة.
خطر آخر.. ارتفاع المياه الجوفية تحت الأراضي الزراعية
قد تبدو المفارقة غريبة، فبينما تعاني بعض المناطق من انخفاض مناسيب المياه الجوفية، تواجه مناطق زراعية أخرى مشكلة ارتفاع مستوى الماء الأرضي واقترابه من جذور النباتات.
وتحدث هذه الظاهرة عندما يؤدي الري المفرط وضعف شبكات البزل إلى تراكم المياه تحت سطح التربة، فتتحرك الأملاح نحو منطقة الجذور بفعل التبخر والصعود الشعري.
وقد أظهرت دراسة تناولت إدارة الري والمياه الجوفية في وسط العراق أن أكثر من 30% من مياه الري المستخدمة في الظروف المدروسة كانت تتسرب إلى الأعماق، بما يسهم في ارتفاع مستوى المياه الجوفية وزيادة مخاطر الملوحة وانخفاض إنتاجية المحاصيل.
وهذا يوضح أن إدارة المياه الجوفية لا تتعلق بالضخ من الآبار وحده، بل تشمل أيضاً السيطرة على ارتفاع الماء الأرضي وتحسين كفاءة الري والبزل.
هل يمكن أن تغير المياه الجوفية خريطة الزراعة العراقية؟
يمكن للمياه الجوفية أن تسهم في استمرار الزراعة بالمناطق التي تعاني نقصا في الموارد السطحية، لكنها قد تؤدي أيضا إلى تغيير أنواع المحاصيل المزروعة.
ففي المناطق التي تتوافر فيها مياه جيدة النوعية وبكميات قابلة للاستدامة، يمكن استخدام الري التكميلي لتحسين استقرار إنتاج الحبوب والخضراوات.
أما المناطق التي تعاني ارتفاع ملوحة المياه أو زيادة تكاليف الضخ، فقد يصبح من الضروري اختيار محاصيل أكثر تحملا للظروف المحلية، أو تقليص المساحات المزروعة، أو التحول إلى أنظمة ري أكثر كفاءة.
ولا يعني ذلك أن المياه الجوفية يمكن أن تحل محل دجلة والفرات على مستوى العراق، وإنما يمكن أن تؤدي دورا مكملا يختلف من محافظة إلى أخرى، بل ومن موقع إلى آخر داخل المحافظة نفسها.
ما الذي تحتاجه الزراعة العراقية؟
يتطلب الحفاظ على المياه الجوفية بوصفها موردا زراعيا طويل الأمد اتباع مجموعة من الإجراءات:
1: إعداد خرائط محدثة للخزانات الجوفية، تتضمن مستويات المياه ونوعيتها ومعدلات تجددها.
2: تنظيم حفر الآبار وتحديد كميات السحب وفق قدرة كل خزان.
3: توسيع استخدام الري بالتنقيط والرش حيثما يكون مناسبا للمحصول والتربة.
4: إجراء فحوص دورية لملوحة المياه والتربة قبل التوسع في الزراعة.
5: ربط الخطط الزراعية بكميات المياه المتاحة، بدلا من الاعتماد على المساحات المستهدفة وحدها.
6: دعم المزارعين في استخدام تقنيات تقلل استهلاك المياه والطاقة وتحافظ على إنتاجية الأرض.
مستقبل الزراعة لا يتوقف عند حفر المزيد من الآبار
تمثل المياه الجوفية فرصة حقيقية لدعم الإنتاج الزراعي العراقي، ولا سيما خلال مواسم الجفاف وانخفاض الإمدادات السطحية، لكنها ليست حلا مضمونا لكل الأراضي والمحاصيل.
فالاستفادة من المياه الجوفية تتوقف على ثلاثة عوامل مترابطة، وهي كمية المياه التي يمكن استخراجها دون استنزاف الخزان، ونوعية المياه ومدى ملاءمتها للمحصول، والكلفة الاقتصادية لاستخدامها.
وبين الحاجة إلى زيادة الإنتاج الغذائي وضرورة حماية الموارد المائية، يجد العراق نفسه أمام معادلة صعبة، تكمن في كيف يستثمر ما يمتلكه من مياه تحت الأرض دون أن يستهلك حق الأجيال المقبلة فيها؟
فالمشكلة ليست في عدد الآبار التي يستطيع العراق حفرها، بل في عدد السنوات التي تستطيع فيها تلك الآبار الاستمرار بإنتاج مياه صالحة للزراعة.
الخبير في الشأن الزراعي
الدكتور فلاح حسن الغالي



