إعلام الشباب ودوره الفاعل في تحريك المياه الراكدة

بغداد/ داليا عبد الرحمن….
أوشك العالم أن يبلغ نقطة اللا عودة في أكثر القضايا تعقيدا وحساسية وهي قضية المياه، فلم تكن مجرد أزمة بيئية، بل باتت عامل أمني واستراتيجي مهدد لبقاء أو زوال الدول، وقد بينت العديد من التقارير الأممية والدولية الى تفاقم الوضع الراهن.
تقرير لمنظمة الإسكوا لعام 2024 بين أنّ التوترات بشأن المياه تزيد من حدّة النزاعات في سائر أرجاء العالم، و كلما تفاقم الإجهاد المائي، تعاظمت مخاطر اشتعال النزاعات على الصعيدَين المحلي والإقليمي.
ونظراً لحدة المشهد والصورة النمطية التي وقع فيها الخطاب البيئي، مثل التقارير التقنية ومخاطبة الناس بلغة بعيدة عنهم، كل ذلك ادى لخلق فجوة بين الإعلام البيئي والمجتمع المحلي، لتظهر لاحقاً صحافة المياه كأداة تغيير محورية تنقل الحقائق وتحفز المجتمعات ليكون لها دور واعي في حماية مواردها وفهم الواقع وخلق مساحة حرة لسرد القصص الإنسانية وتخليد السرديات بشتى الوسائل، فلم يكن هذا التحول صدفة بل نتيجة لبدء الشباب في هذا المجال، مؤمنين بحق العدالة البيئية للجميع ومؤكدين على أهمية جعل القضايا العلمية واضحة وقريبة من واقع الناس.
وعلى ضوء ذلك تميز جيل الشباب الصحفيين بقدرتهم على تأطير الأمور بسياقها الواقعي، فلم تكن نظرتهم لأزمة المياه مجرد تقرير او رسائل عابرة، بل هي جزء من تجربتهم الشخصية، لاسيما أنهم أبناء تلك الأماكن ومازالوا الأكثر تأثراً بما حلّ بهم نتيجة الأزمات، كشاهدين عيان على فوضى الجفاف، الهجرة، الامراض، والحروب التي حلّت بهم، ناهيك عن أن كل هذا القرب من الواقع أعطى لكتابتهم حساً وصدقاً ملموساً. إذ كانوا يرفضون فكرة التحيز او إلقاء اللوم وتكرار الغوص في دائرة الحروب المغلقة، عدا ذلك لطالما آمنوا بمفهوم البحث عن الحلول والسلام المشترك، فتعهدوا بحمل مسؤولية نقل الواقع وإبراز الحلول واشراك المجتمعات على عاتقهم.
وفي السياق ذاته، برزت مبادرات ساعدت على وجود تلك المساحة للشباب ليكونوا أوصياء مشاركين في قضية مستقبل الامن المائي، ولهم دور في بوادر التعاون المائي وبصمة في مجال صحافة المياه مثل مبادرة السلام الأزرق في الشرق الأوسط.
فمبادرة السلام الأزرق في الشرق الأوسط هي من المبادرات التي عملت على تطوير وتمكين الشباب في مجال صحافة المياه، غير أن دورها لم يقتصر على بعض المحاضرات والتوجيهات النظرية، بل عملت على وضعهم في سياق الحدث وتمكينهم ليكونوا قادة ودبلوماسيين وباحثين وإعلاميين في المجال المائي.
مثل هذه المبادرات لا تكتفي بصناعة محتوى شبابي فقط، بل تعمل أيضًا على تكوين جيل كامل من الإعلاميين الشباب القادرين على إدارة ملف قضية معقدة مثل المياه، لأنها تؤمن أن الشباب هم من سيرث نتائج القرارات المتخذة اليوم.
ومن نطاق تجربتي ضمن برنامج السلام الأزرق في الشرق الأوسط للتدريب الإعلامي للشباب، كانت لي الفرصة برؤية خريطة العالم المائية من منظور مختلف تماماً، إذ كيف يمكن ان تتحول المياه من مصدر للنزاع الى أهم أداة توحد الدول و تصنع جسور التعاون، لذا فان مشاركتي في البرنامج لم تقتصر على مجموعة تدريبات للكتابة الصحفية او الإنتاج الإعلامي، إنما تجربة متكاملة تربط المنحى النظري بالعملي وتعزز الوعي بقضايا المياه وتعطي مساحة للشباب بصنع تجربتهم الأولى وتطبيقها وفهم سياق واقعهم.
كذلك، عملت على ربط الشباب ضمن شبكات اقليمية من مختلف الدول والاختصاصات، لفهم مشاكل الدول المشتركة والبحث عن إمكانية الحلول الممكنة، والعمل على ربطهم بخبراء واختصاصين لانطلاق وقيادة مبادراتهم الشخصية واحداث تغيير إيجابي بخطوات بسيطة في حياتهم.
ولعل النقاشات التي كانت تدور بعد كل موضوع مختلف كانت دائماً تنتهي بنتيجة واحدة وهي ان تجارب بلداننا هي جزء من الحكاية والسردية المائية تتطلب نظرة عابرة للحدود فلا نكتفي بالحديث عن الروايات المؤلمة بل علينا التوسع للوصول الى روايات كانت تحمل الأمل في طياتها والبحث عن الحلول للتجارب المختلفة و واحياء الامل من جديد، وكل ذلك بين لي أن الصحافة ليست مجرد مهنة، انما واحدة من اعظم المسؤوليات التي نحملها الى مجتمعاتنا.
وعلى الجانب الآخر تبرز أهمية أن يكون للشباب القدرة على التأثير في القرارات المتعلقة بالمياه، فالمشاركة هي أحد المبادئ التوجيهية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويظهر جليًا من خلال قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2250.
ونرى أهمية ان تتقاطع جهود تلك المبادرات مع مؤتمرات إقليمية تناشد لقضية المياه مثل التعاون الواقع بين السلام الأزرق في الشرق الأوسط و GreenXMENA، الذي اتاح فرصة كبيرة للشباب ليتحول حضورهم من مجرد حضور رمزي أو ثانوي الى إشراكهم في مسؤولية صنع قرار ، والعمل على إيجاد الحلول والأخذ بها وفقاً لتجاربهم، وبناء رؤى لسياسات مستقبلية للمياه لصناع القرار، وعند التمعن بدور الإعلام، فهو من اهم أدوات المناصرة لتوجيه السياسات وتعزيز التعاون بدلاً من النزاع لواحدة من اكثر القضايا تعقيداً.
وفي الخلاصة فأن صحافة المياه التي يقودها الشباب تتميز بالقوة الناعمة، فهي تعمل على تبديد الخوف بالفهم، وتحارب التضليل بالمعرفة، فالمجتمعات التي لاتعي أزماتها سيكون الندم اقسى جزاء لعدم قدرتها على حماية نفسها. /انتهى



