هل يمكن للإنسان أن يعيش بلا علاقات؟ العلم يجيب

روافدنيوز/ متابعة
أحياناً يبدو الانسحاب من الناس خياراً مريحاً. حين تتعب من التوقعات، من خيبات الأمل، من ثقل العلاقات وتعقيداتها، تتساءل: ماذا لو اكتفيت بنفسك؟ ماذا لو أغلقت الباب وعشت من دون كل هذا؟
الفكرة تبدو منطقية، لكن علم الأحياء يرفضها تماماً.
بحسب مراجعة علمية شاملة نشرتها دورية PLOS Medicine عام 2010، أجرتها الباحثة جولين هولت-لونستاد وزملاؤها من جامعة بريغهام يونغ، عبر تحليل بيانات 308,849 شخصاً في 148 دراسة مستقلة، فإن الأشخاص الذين يمتلكون علاقات اجتماعية قوية يرفعون احتمالية بقائهم على قيد الحياة بنسبة 50% مقارنةً بمن يعيشون في عزلة.
وخلص الباحثون إلى أن تأثير غياب العلاقات الاجتماعية على خطر الوفاة المبكرة يُعادل تأثير التدخين، ويفوق تأثير السمنة والخمول الجسدي.
الإنسان لم يُصمَّم للعيش وحيداً. وهذه ليست مبالغة شاعرية، بل حقيقة بيولوجية.
العزلة تبدأ في الدماغ وتنتهي في الجسد
ما تكشفه الدراسة أن غياب العلاقات الاجتماعية لا يبقى في نطاق المشاعر؛ إذ إن تأثيره الجسدي حقيقي وقابل للقياس، ويمتد عبر مراحل الحياة كلها.
في مرحلة المراهقة، ترتبط العزلة الاجتماعية بمستويات التهاب في الجسم تُعادل تأثير الخمول الجسدي التام. وفي منتصف العمر وما بعده، يتجاوز أثرها على صحة القلب والأوعية الدموية تأثير عوامل خطر سريرية معروفة.
والأهم أن هذه النتائج ظلت ثابتة بصرف النظر عن العمر، الجنس، الحالة الصحية الأولية، وسبب الوفاة. بمعنى أن الحاجة إلى الاتصال الإنساني ليست خاصية لفئة معينة، بل سمة إنسانية عامة.
الفرق بين الوحدة الاختيارية والعزلة
هنا تكمن تفرقة مهمة تُشير إليها الدراسة: الجلوس وحدك ليس بالضرورة عزلة. ما يُلحق الضرر الحقيقي هو الشعور بالانفصال عن الآخرين، لا الوجود الجسدي بمفردك.
بل إن النتائج كشفت أن المقياس الأضعف في التنبؤ بالوفاة المبكرة كان العيش وحيداً من الناحية الجسدية، في حين كان المقياس الأقوى هو مدى اندماج الشخص في علاقات اجتماعية حقيقية.
بمعنى أن شخصاً يعيش وسط ناس لكنه لا يشعر بالاتصال الحقيقي، يتأثر أكثر ممن يعيش وحده لكنه يمتلك علاقات ذات معنى.
وماذا عن السيدات اللواتي يقلن إن العزلة سر شبابهن؟
سؤال يطرحه كثيرون، وتُجيب عنه الأبحاث بدقة. حين تقول سيدة في السبعين أنها “اعتزلت الناس وسعدت”، هي في الغالب لا تصف عزلة حقيقية، بل انتقاءً واعياً.
تخلّصت من العلاقات المُستنزِفة، واحتفظت بعلاقات قليلة لكن ذات معنى. وحضورها على السوشل ميديا نفسه هو شكل من أشكال الاتصال الإنساني.
ما تصفه هو تحرر من الضغط الاجتماعي، لا غياب العلاقات بالمطلق. وهذا تحديداً ما تدعمه الأبحاث: جودة العلاقات أهم من كميتها.
حتى العلاقات الخفيفة تصنع فرقاً
والمفاجأة الأجمل في هذه الأبحاث: لا تحتاج إلى علاقات عميقة ومعقدة كي تحافظ على صحتك. التفاعلات اليومية البسيطة، محادثة قصيرة مع جارة، ابتسامة في الطابور، حديث عابر مع زميل، كلها تُسهم في تحقيق الحد الأدنى من الاتصال الإنساني الذي يحتاجه الجسد والعقل.
العلاقات الاجتماعية ليست رفاهية نفسية، بل ضرورة بيولوجية، وهذا ما أثبتته الأبحاث بشكل لا يقبل الجدل.
الرغبة في الانسحاب من الناس حين تتعب منهم شعور طبيعي تماماً. لكن الانسحاب الكامل ثمنه أكبر مما تتخيّل. والحل ليس في إجبار نفسك على علاقات تستنزفك، بل في إيجاد اتصال إنساني حقيقي، ولو كان بسيطاً وقليلاً، يكفي لإخبار جسدك أنك لست وحدك./انتهى



