العراقتحليلات وتقاريرتحليلات وتقاريررئيسي

“امتداد61”.. تجربة ثقافية تحول طريق الأربعين إلى مساحة لصناعة الوعي

النجف الأشرف/روافدنيوز /عزيز ال يحى


في الزيارة الأربعينية تتعدد صور الخدمة التي يقدمها الزائرون على امتداد الطريق المؤدي إلى كربلاء وبين هذه الصور تبرز المحطات الثقافية التي تحاول أن تجعل من مسيرة الزائر مساحة للمعرفة إلى جانب بعدها الإيماني من خلال برامج تقدم المضامين الدينية والثقافية وتتناول الأسئلة الفكرية والعقائدية التي تشغل مختلف فئات المجتمع ولا سيما الشباب ومع اتساع حضور هذه المحطات في مسيرة الأربعين تتنوع أساليب تقديم المحتوى الثقافي من البرامج المباشرة إلى التجارب التفاعلية التي تعتمد الصورة والفكرة والمشاركة، وفي هذا السياق يأتي مخيم «امتداد 61» الذي أقامه فريق رقيم التطوعي على طريق كربلاء بغداد في ذكرى أربعينية الإمام الحسين عليه السلام مقدمًا تجربة ثقافية اعتمدت الفن المفاهيمي وسيلةً لعرض الأفكار والرؤى المستلهمة من ثورة الإمام الحسين عليه السلام، وامتدادًا لأفكار العلماء الأعلام، لطرح قضايا تتصل بالمرأة والمقاومة والهوية والأسرة والمجتمع والتحديات الفكرية المعاصر عبر محطات تفاعلية تجمع بين البعد الفكري والأسلوب البصري.

لماذا «امتداد 61»؟

قد يبدو اسم المخيم للوهلة الأولى مجرد رقم إلا أنه يحمل دلالة رمزية تشير إلى سنة 61 للهجرة، عام واقعة الطف التي لم تكن حدثًا انتهى بانتهاء زمانه بل قضية امتد أثرها عبر الأجيال ولا تزال حاضرة في الفكر والوجدان والواقع العملي ويمثل عنوان «امتداد 61» دعوة إلى تحمل مسؤولية امتداد القضية الحسينية من خلال تجسيد مبادئها في الوعي والثقافة والممارسة اليومية ولم يُرفق الرقم (61) بحرف (هـ) عمدًا، على الرغم من دلالته على السنة الهجرية ليبقى العنوان مفتوحًا على التساؤل، فيثير فضول المتلقي ويدعوه إلى البحث عن معناه، فجاء هذا الحذف مقصودًا بوصفه عنصرًا بصريًا ومعرفيًا يجعل من الاسم نفسه بدايةً للحوار قبل الدخول إلى تجربة المخيم.

تعزيز الحضور الثقافي على طريق الزائرين

يأتي مخيم امتداد 61 استجابةً للحاجة إلى تعزيز الحضور الثقافي والفكري على طريق الزائرين، من خلال تقديم محتوى معرفي يواكب الخدمة المقدمة لزائري أربعينية الإمام الحسين عليه السلام وفي الوقت الذي يشهد فيه الطريق تنوعًا واسعًا في أشكال الخدمة، يسعى المخيم إلى الإسهام في جانب لا يقل أهمية يتمثل في تغذية الوعي وفتح مساحات للحوار والتأمل عبر محطات تفاعلية تناقش قضايا دينية وسياسية، والهوية، والأسرة، والمرأة، والمجتمع، والتحديات الفكرية المعاصرة، انطلاقًا من الإيمان بأن بناء الإنسان لا يقتصر على تلبية احتياجاته المادية، بل يمتد إلى تنمية وعيه وتعزيز بصيرته.

رحلة داخل المخيم… حين تتحول الفكرة إلى تجربة

لم يعتمد مخيم امتداد 61 أسلوب العرض التقليدي في إيصال رسائله بل وظّف الفن المفاهيمي عبر كابينات تفاعلية صُممت لتدفع الزائر إلى التأمل وطرح الأسئلة فجاءت كل محطة تحمل رسالة محددة فيما شكّلت جميعها تجربة فكرية متكاملة.

كابينة “التسليع”

تستهل الزائرة رحلتها في المخيم بكابينة “التسليع”، التي تسلط الضوء على التحولات القيمية والاجتماعية المعاصرة، والضغوط التي تتعرض لها المرأة في عالم الاستهلاك والتشويش الثقافي وتعرض الكابينة موضوعات تسليع المرأة وضغط الصورة وتشويه المعايير وفقدان المعنى بهدف إحداث صدمة إدراكية تدفع الزائرة إلى إعادة التفكير في موقعها داخل هذا الواقع.

كابينة “المقاومة”

تنتقل الزائرة بعد ذلك إلى كابينة “المقاومة”، التي تحمل عنوانًا رئيسيًا: “المقاومة ليست خيارًا عسكريًا فقط… بل منظومة أدوار.” وتطرح سؤالًا مباشرًا: “لو لم يكن لديكِ سلاح، كيف ستقاومين؟” وتمنح الكابينة الزائرة مجموعة من الخيارات، منها: النشر التضامني والموقف الواعي وتربية أبناء مقاومين والمقاطعة والدعاء وعند اختيار إحدى هذه الخيارات تحصل المشاركة على بطاقة كُتب عليها “الجهاد ليس سلاحًا فقط، والمقاومة لا تُحسم بالسواتر وحدها، قد تكونين أنتِ خلف الساتر لكن بدورٍ آخر.” ويضم ديكور الكابينة شجيرات الزيتون التي تشتهر بها أرض فلسطين.

كابينة “ما الذي يبقى؟”
وفي محطة أخرى بعنوان “ما الذي يبقى؟”، تعرض الكابينة بقايا مقتنيات الشهيد من منظور علوي (Top View)، تضم بسطالًا مدمى، وخوذة مهشمة، وملابس ممزقة، يقابلها قرآن كريم وكتاب “حياة المتقين” للإمام الشهيد الخامنئي، وقد بقيا سالمين وسط الركام وتجسد الكابينة مجموعة من الرموز، أبرزها أن الأجساد تفنى بينما تبقى الفكرة والعقيدة والمعرفة، وأن الامتداد الحقيقي تصنعه الفكرة وأن الشهادة ليست عسكرية فقط، وليست نتاج الثكنات فحسب، بل ثمرة منظومة علمية وعناصر أكاديمية مثقفة جعلت من العلم طريقًا للوصول إلى الهدف الأسمى.

كابينة “وفيهم خمسون امرأة”
وتتناول كابينة “وفيهم خمسون امرأة” دور المرأة في مشروع التمهيد للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وتتكون الكابينة من خمسين إطارًا يحمل أحدها صورة الشهيدة بنت الهدى آمنة الصدر بوصفها نموذجًا معاصرًا للمرأة المجاهدة الناصرة لإمام زمانها، فيما تضم بقية الإطارات مرايا تعكس وجه الزائرة، لتطرح سؤالًا: هل يمكن أن أكون إحدى هؤلاء القائدات؟ ويتوسط الجدار تشكيل نوري يرمز إلى السيدة زينب عليها السلام باعتبارها القدوة والأصل الذي استُلهمت منه هذه المدرسة.

كابينة “الامتداد”

وتجسد كابينة “الامتداد” مفهوم امتداد النهضة الحسينية عبر التاريخ، من خلال خط بصري واحد يربط بين عدد من المحطات التاريخية، تبدأ بثورة الإمام الحسين عليه السلام سنة 61هـ، مرورًا بثورة العشرين سنة 1920، ثم الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني سنة 1979، وإصدار فتوى الجهاد الكفائي من المرجع الأعلى السيد علي السيستاني دام ظله سنة 2014، وانتصار الحشد الشعبي والمقاومة العراقية على داعش سنة 2017، وانتصار الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الحرب ضد أمريكا وإسرائيل سنة 2026 وروعي في تصميم الخط الفاصل بين هذه المحطات أن يعكس البعد الزمني الحقيقي بينها ليجسد بصريًا فكرة أن الامتداد لم ينقطع بل استمر عبر القرون بمصاديق مختلفة وتهدف الكابينة إلى ترسيخ مفهوم أن القضية الحسينية ليست مصيبة فقط بل ثورة ضد العدو وأن المشروع الحسيني تتجدد تجلياته في كل عصر.

كابينة “منابر اليوم”

وتستحضر كابينة “منابر اليوم” صورة المنبر بوصفه موقعًا لصناعة الوعي وتوجيه المجتمع وتوضح أن المنبر بعد أن كان يقتصر على الخشب الذي يقف عليه الخطيب أصبح اليوم في يد كل إنسان عبر هاتفه ومنصات التواصل الاجتماعي، فكل حساب هو منبر وكل منشور خطاب وكل تفاعل يترك أثرًا في وعي الآخرين وتؤكد الكابينة أن الإعجاب والمتابعة والمشاركة وإعادة النشر ليست أفعالًا عابرة بل مواقف تسهم في صناعة الرأي العام وقد تدعم حقًا أو تسهم في انتشار باطل.

كابينة “أحياء فينا”

وتختتم رحلة الزائرة في كابينة “أحياء فينا”، التي تمثل محطة التثبيت الوجداني إذ تجسد رمزية الجنة بوصفها ثمرة التضحية والثبات على المبدأ وتضم الكابينة صورًا لشهداء العراق الذين استشهدوا في القصف الأمريكي الإسرائيلي إلى جانب شهداء من مختلف ميادين محور المقاومة لتجسد فكرة أن الشهداء باقون في الوجدان وأن أثرهم يمتد في الوعي كما امتدت رسالتهم في الميدان.

وبذلك تنتهي رحلة الزائرة بين مجموعة من المحطات التي تناولت قضايا مختلفة تبدأ من التحولات القيمية والاجتماعية والمرأة وتمتد إلى المقاومة والشهادة ودور المرأة والامتداد التاريخي للقضية الحسينية ومسؤولية الكلمة في المنابر الرقمية وصولا إلى التثبيت الوجداني واستحضار الشهداء.

فريق رقيم… مشروع لبناء الإنسان

يقف خلف هذه المبادرة فريق رقيم التطوعي، وهو فريق شبابي يعمل في مجالات الثقافة والإعلام والتدريب والبحث وصناعة المحتوى والمبادرات المجتمعية ضمن مشروع ثقافي يهدف إلى بناء الإنسان معرفيًا وفكريًا واستُلهم اسم «رقيم» من لفظ الرقيم الوارد في القرآن الكريم ومن الرقم الطينية في حضارة وادي الرافدين التي دونت عليها العلوم والمعارف في دلالة تجمع بين حفظ الرسالة وصون المعرفة وصناعة الأثر ويستند الفريق في عمله إلى رؤية تقوم على أربعة أركان هي الفكر، والتنظيم، والتربية، والعمل الميداني، مع التأكيد على أن المعرفة تسبق العمل وأن الأثر أهم من الظهور وأن المسؤولية تسبق المنصب وأن العمل الجماعي أساس تحقيق الأهداف ولا تقتصر أنشطة الفريق على إقامة الفعاليات الثقافية، بل تمتد إلى التدريب، والإعلام، والتأليف، وصناعة المحتوى، وإطلاق المبادرات المجتمعية، إلى جانب اهتمامه بالتراث والآثار انطلاقًا من إيمانه بأن آثار العراق تمثل ذاكرة حضارية تحفظ هوية الأمة وتوثق مسيرتها.

حين تتحول الخدمة إلى مساحة لصناعة الوعي

لا تبدو تجربة مخيم امتداد 61 مجرد محطة ثقافية على طريق زائري الأربعين بقدر ما تقدم نموذجًا لتوظيف الفن والمحتوى البصري في طرح القضايا المرتبطة بالقضية الحسينية واستحضارها بطريقة تفاعلية تضع الزائر أمام أسئلة تتصل بالهوية والمرأة والمقاومة والإعلام والوعي والامتداد التاريخي.

ومن خلال تصميم الكابينات وتسلسل محطاتها حاول فريق رقيم التطوعي أن يجعل من مرور الزائر تجربة تبدأ بالتساؤل ثم تقوده إلى الفكرة فالرسالة بما يمنح المحتوى الثقافي حضورًا يتجاوز التلقي المباشر نحو التأمل وإعادة النظر في مجموعة من المفاهيم والقضايا التي يطرحها المخيم.

وبهذا المعنى تأتي تجربة امتداد 61 ضمن نمط متنامٍ من المبادرات التي ترافق زيارة الأربعين بالخطاب الثقافي إلى جانب أشكال الخدمة الأخرى لتؤكد أن طريق الزائرين يمكن أن يكون فضاءً للعبادة والخدمة والمعرفة في آن واحد وأن إحياء القضية الحسينية لا يقتصر على استحضار أحداثها بل يمتد إلى استلهام قيمها وتحويلها إلى وعي حاضر ومسؤولية مستمرة./انتهى

Rawafed News

وكالة روافد نيوز الإخبارية” وكالة عراقية بنكهة عربية اصيلة لاتمثل ولاتمت باي صلة لاي جهة حزبية او سياسية سواء داخل وخارج العراق هدفها نقل الحقائق كما هي دون تزييف او رتوش تنبذ العنف والطائفية والاستغلال البشرية وتعمل على نشر مفاهيم المحبة والامن والسلام في العالم وتحترم خاصية كل الاديان والطوائف والمذاهب وتعزز من الروابط الاجتماعية بين الناس

مقالات ذات صلة

0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x